محمد سعيد رمضان البوطي
149
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية ، لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شدّ أزر المجتمع الإسلامي ودعم كيانه . ثالثا : المعنى التفسيري الذي صاحب شعار التآخي : لم يكن ما أقامه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم ، وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين . ولذلك جعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم من هذه الأخوة مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الإخوة ، وكانت هذه المسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه ، وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ، إذ عرض على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية ، ولكن عبد الرحمن شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها ، ولم يكن سعد بن الربيع منفردا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن ، بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض . خصوصا بعد الهجرة وبعد أن آخى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيما بينهم . ولذلك أيضا ، جعل اللّه سبحانه وتعالى حق الميراث منوطا بهذا التآخي ، دون حقوق القرابة والرحم . فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوّة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين ، وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والتحابب ليس شعارا وكلاما مجردين ، وإنما هي حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة يتكون منها أهم الأسس اللازمة لنظام العدالة الاجتماعية . أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة ، فيما بعد ، فهي أن نظام الميراث الذي استقر أخيرا ، إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين ، إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين ، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلّا من الأنصار والمهاجرين أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة ، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفا على إخوانهم الأنصار في المدينة ، فكان ما أقامه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية . ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من أخوّة الرحم المجردة . فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها ، وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة ، أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة ، إذ لا يخشى على هذا النظام